إن الإنسان بوصفه كائناً اجتماعياً يحب ويكره ويفرح ويحزن ويرجوا ويأمل ويرضى ويغضب ويضيق وينشرح فلا يبقى على حال بل تختلف أحواله الظاهره وهذا الإختلاف لا يؤثر على من حمل عقيدةَ الإسلام حملاً فكرياً فكان حمله للإسلام في حال الفرح كحمله للإسلام في حال الحزن وهكذا.
فالعقيدة الإسلامية وما بني عليها من مفاهيم مثل مفهوم الرزق والأجل والشفاء والمرض والنصر والسعادة هي التي تحدد ضوابط السلوك في كل أحواله فمفهوم الرزق عندالمسلم في حال الفقر كمفهوم الرزق في حال الغنى, ومفهوم السعادةِ عنده في كربه هو نفسه في حال رخائه, فإنه يطلب رضوان الله بتمسكه بأوامره ونواهيه بغض النظر عن هذه الأحوال الطارئة.
إن الخلط بين المفهوم والحال يوصل الكثير من الناس إلى وضعٍ ينقطع فيه رجاؤهم فتفتر عزيمتهم وتقل استجابتهم بل ويدفنوا رؤوسهم في التراب, لأنهم نظروا إلى حالهم وحال عدوهم فحكموا على الواقع بمعزل عن مفاهيمهم فكانت النتيجة يأسهم.
إن المفاهيم قد بنيت على العقيدةِ الإسلامية ولا يمكن أن تنفصل عنها ونحن مطالبونَ بأن نضبط سلوكنا وفقاً لها بغض النظر عن الواقع لأنه متغير متقلب, فالقوي يضعف والضعيف يقوى, والقليل يكثر والكثير يقل وهكذا.
ومن ضمن هذه المفاهيم مفهوم الرجاء وهو حسن الظن بالله فيحمده في حال الرخاء ويرجوه في حال البلاء وحبله موصول مع ربه في كل حال وصدق الله العظيم{مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}العنكبوت5, وقوله {فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً }الكهف110, فإذا انعدم الرجاء وجد اليأس قطعاً, فإن نهاية الدنيا عند من لا يؤمن بالله هي خسارته أو فقده لولدٍ أو لحبيب وتتوقف الدنيا بنظره فيملها أو تمله.... وينتحر, بعكس المؤمن الذي يرجو الله ويتوكل عليه فإن قوله دائماًإنا لله وإنا إليه راجعون {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ{156} أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ{157}البقرة , فوقوع المصيبة في المال أو الولد أو فقده لحبيب لا يخرجه من دائرة رجائه بربه وصدق الله العظيم {قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً{56} أُولَـئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً{57}الإسراء, فحتما حين تقع عليه المصيبة يرجوا الله أن تكون كفارة له وسبباً له حتى ينال رضوان الله بصبره عليها.
إن الرجاء من الأمل وهو نقيض اليأس وقد يرد بمعنى التوقع بحصول الخير كما قال الشاعر بشر بخطاب إبنته:
فَرَجيَّ الخير وانتظري إيابي == إذا ما القارظ العنزي آبا
يعني توقعي ومالي في فلان رجيه أي ما أتوقع.
وقال ابن سيده: الرجاء الخوف في قوله تعالى{مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً}نوح13 , قال ثعلب: قال الفراء الرجاء في معنى الخوف لا يكون إلا مع الجَحْد كقولك ما رجوتك يعني ماخفتك فجحد مخافته له.
وقوله عز وجل {قُل لِّلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُون أَيَّامَ اللَّهِ}الجاثية14, يعني للذين لا يخافونَ أيام الله وأنشد لأبي ذؤيب:
إذا لسعته النحل لم يرجُ لسعُها == وخالفها في بيت نوب عواسِلِ
ويأتي الرجاء بمعنى الخشية في قوله تعالى{إَنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا}يونس7, يعني لا يخشونَ لقاءنا.
والرجو: المبالاه فيقال ما أرجو يعني ما أبالي.
إن البلاء بالنسبة لحامل الدعوة هو جزءٌ لا يتجزأ من حمله للدعوة الإسلامية, فلا يوجد حمل للدعوة الإسلامية بدون بلاء, وكذلك المؤمن فإن البلاء بالنسبة له هو جزء من إيمانه وصدق الله العظيم {الم{1} أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ{2}العنكبوت, فيقابل هذا البلاء بالصبر رجاءً يرجوه من ربه لأنه وحده هو كاشف الضر, ولنا في يعقوب الأسوة الحسنة في قصته.........
لقد ضاع يوسف الفتى الصغير.... وانقطع خبره سنواتٍ وسنوات… ثم فقد يعقوب ولده الثاني فقال لبنيه{يَا بَنِيَّ اذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ}يوسف8, إذهبوا إلى مصر وما أدراك ما مصر ليبحثو عن طفل أضاعوه قبل سنوات فكبر وتغيرت ملامحه وسماته...... ليبحثوا في مصر عن يوسف..؟؟ وهم الذين ألقوه في الجب, ولم يذهبوا به إلى مصر!!!.. لا يعلمونَ أفي مصر هو أم لا, يبحثوا في مصر عن يوسف وهم لا يعلمون أين هو ....!!! إنهم كالباحث في السعودية عن محمد اليوم وما أكثرهم.... ولكن حبل رجاء يعقوب بربه رغم هذا لم ولن ينقطع {إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ}يوسف.
إن الموضوع سورة والسورة يوسف والسورة نزلت بمكة, ومكة فيها الرسول صلى الله عليه واله وسلم , ومكة في ذلك الوقت تعج بالمشركين المتعنتين والمبغضين للرسول صلى الله عليه واله وسلم وصحبه.... والوقت زمان ماتت فيه حبيبته خديجة ومات عمه, فقد نزلت هذه السورة بعد سورة هود ومن قبلها سورة يونس.... هذا الوقت أحرج الأوقات وأشقها في تاريخ الدعوة..., فبعد موت أبي طالب وجرأة المشركين على ما لم يكونوا ليجرأوا عليه في حياة أبي طالب, وقد بلغت الحرب المعلنة عليه وعلى دعوته أقسى وأقصى مداها, وتجمدت الدعوة حتى ما يكاد يدخل في الإسلام أحد من مكة أو ما حولها.
في تلك الفترةِ الحرجة والصعبة نزلت هذه السورة في الوقت الذي كان يعاني فيه الرسول صلى الله عليه واله وسلم الوحشة والغربة والإنقطاع في جاهلية قريش, وتعاني معه الجماعة المسلمة هذه الشدة.... قص الله الكريم الرحيم على سيد الخلق قصةَ أخيه الكريم يوسف بن يعقوب بن اسحق بن إبراهيم وما عاناه من المحن والإبتلاءات .
الشيخ الكبير الطاعن في السن يعقوب يحب ولده الصغير يوسف, وفطرة الله في خلقه أن كبير السن إن رزقه الله ولداً على الكبر تعلق به وأحبه وصدق الله العظيم {الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء }إبراهيم39 , وتعلق الشيخ بولده أشد من تعلق الولد به, وبينهما جسر من الود جعل الغلام يفضي إلى أبيه الشيخ حتى أحلامه.
ومرة واحدة وبدون سابق إنذار يختفي يوسف عن أبيه, فلا يعلم أهو حيٌّ فيراه و لا هو ميت فيرثيه فقال ولم يزد {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ }يوسف18, وتوالت الأيام والشيخُ على نفس الحال فالمعين هو الله إعتقاد يُرى في تصرفات الشيخ وسلوكه.
وتتكرر الصورة مع الصغير الثاني حين طلب الأخوة إصطحابه… فتتجرك كوامن الشوق عند يعقوب فإذا به يجهر بما أثاره وعدهم له فقال {قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِن قَبْلُ}, فخلوني من وعودكم ومن حفظكم فإذا طلبت الحفظ لولدي والرحمة بي{فَاللّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ } .
ويتكرر المشهد المؤلم على هذا الشيخ وقد أفضوا إليه بالنبأ الفظيع فلا تسمع إلا رداً سريعاً شجياً {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ }يوسف83, وفد كان قبل ذلك في المشهد الأول قد قال{فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ} واليوم أضاف لها هذا الرجاء بالله عز وجل بقوله {عَسَى} وهي للترجي بأن يرد الله عليه يوسف وأخيه.
إن هذا الشيخ المتعب القلق لم ينسَ يوسف بعد...... وهذا أخوه قد فقده أيضاً إلا أن رجاءه بربه زاد في محنته الثانية عن الأولى فقال{عَسَى} فكأنه كلما إزداد تعبه وتحجَّر من أمامه زاد رجاؤه بربه......إنه الإعتقاد الحق قد استقر في قلب هذا الرجل الهرم..... إنه الرجاء الذي لا ينقطع والإتصال الوثيق بالله والإيمان بوجوده واتساع رحمته قد تجلى في قلب يعقوب بل ويتجّلى في قلوب الصفوةِ المختارة من الأمة ممن يعملون عمل الأنبياء, فرجاؤهم بربهم ووعده لهم بالنصر والغلبةِ والتمكين أقرب عندهم وأعمق من الواقع المحسوس الذي تلمسه الأيدي وتراه الأبصار.
ويشتد حزن يعقوب فما شكا لمخلوق, فهو وإن حزن بوصفه الآدمي فما أثر هذا الحزن بصلته بربه أبداً حتى انعكس هذا الحزن على عينيه {وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ }يوسف, وأبناؤه لم يواسوه مواساةً تخفف عنه بل زاد كلامهم ألمه حتى تخلص من حجابهم فكأنه بشفافيته قدحلَّق في أجواء غير أجوائهم وأينما حلق كان معه حزنه فقال {قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ }يوسف86, قالها بقلب المؤمن المبتلى المتعلق بحبال ربه عز وجل المدرك لحقيقة الألوهية في هذا القلب الموصول برجاء المنعم عليه.
في هذا الواقع الظاهر الميئِّس من عودة يوسف وهذا المدى الطويل الذي يقطع الرجاء من بقائه حياً فضلاً عن عودته, ما زال الرجاء هو الرجاء ويخاطب أبناءه {إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ }يوسف,علماً يقينياً تتجلى فيه الحقيقة وتعرضُ مذاقاً لا يعرفه إلا من ذاقه فيدرك ما تعني, وقلب يعقوب ذاق حلاوةَ رجائه بربه وحسن الظن به وتوكله عليه فما تبلغ الشدائد مبلغاً فيقول لهم {يَا بَنِيَّ اذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ}يوسف87 .
تحَسّسوا بحواسكم بلطف وبصر وصبر على البحث والعمل للهدف وللغاية ودون يأس وانقطاع رجاء إن بَعُدَ الزمن أو طال انتظار الفرج {إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ}يوسف, فكلمة {رَّوْحِ} أدق دلالة وأكثر شفافية إذ أن فيها ظل الإسترواح من الكرب الخانق بما ينسّم على الأرواح من روح الله النَّدي, فهم المؤمنونَ الموصولةُ قلوبهم بالله, الندية أرواحهم بروحه, الشاعرون بأنه يرعاهم ويكلؤهم برحمته, فإنهم لا ييأسون من روح الله ولو أحاط بهم الكرب واشتد بهم الضيق, فلا يشعرون بغربة ما دامت قلوبهم موصولة بربهم.
إن أُنس حامل الدعوة بربه يفضي عليه الطمأنينة والثقة, فهو وإن كان في مضائق الشدة والمحن والكروب يبقى أنسه بربه ورجاؤه بوعده راسخٌ راسخ وإن بكت العيون حزناً وألماً..... وحامل الدعوة عندما يقرأ سورة يوسف لا بد له أن يدرك العبرة من هذه القصة, فصعوبة الإمتحان وشدة البلاء ووعورة الطريق قد يؤلم الجسد ولكنه لا يفتُّ في العضد وصدق الله العظيم {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَـكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ }يوسف111.