إن تعلق البلاء بالمؤمن تعلق أمرٍ بشيء منه لا يفصل عنه فالابتلاء متعلق بالإيمان في قوله تعالى {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ }البقرة155 ، و قوله تعالى {الم{1} أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ{2} ، و قوله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ }الحجرات3 .
إن البلاء هو الاختبار و الامتحان ففي الحديث ( اللهم لا تُبلنا إلا بالتي هي أحسن ) ؛ أي لا تمتحنّا وصدق الله العظيم {وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} فكان وقوع البلاء أو المصيبة على الانسان واحدة من حيث هي كالفقر أو المرض أو فقد حبيب و مختلفة من ناحية تقبلها تبعاً لما يحمل هذا الإنسان من اعتقاد ؛ فالمسلم المؤمن المحتسب الصابر يكون ما وقع عليه أوله يدور في دائرة البلاء و الاختبار و مكفرات الذنوب ، فقد روى البخاري و مسلم عن أبي سعيد و أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم أنه قال ( ما يصيب المسلم من نصَب ولا وصبٍ و لا هم و لا حزنٍ و لا أذى و لا غمٍ حتى الشوكة يشاكها إلا كفّر الله بها من خطاياه ) ، و روى البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم قال ( من يرد الله به خيراً يُصِبْ منه ) و روى الترمذي عن أنس قال .. قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم ( إذا أراد الله بعبدٍ الخير عجّل له العقوبة في الدنيا ، و إذا أراد الله بعبدٍ الشر أمسك عنه بذنبه ، حتى يوافى به يوم القيامة ) و قال ( أن عظمَ الجزاء مع عِظم البلاء ، و إن الله تعالى إذا أحبّ قوماً ابتلاهم ، فمن رضيَ فله الرضى ، و من سخط فله السخط ) و عن أبي هريرة قال .. قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم ( ما يزال البلاء بالمؤمن و المؤمنة في نفسه و ولده و ماله حتى يلقى الله تعالى و ما عليه خطيئة ) رواه الترمذي .
فإذا نزل البلاء بالمؤمنِ و قابله بالصبر و الثبات على الحق فإنه يبقى في دائرة العبادة لا يخرج منها رغم ألمه و مصائبه لصبره و احتسابه ، لأن ما ينزل به لا يصرفه إلا على أنه ابتلاء من الله و الصبر واجب عليه و مأجور عليه.
فقد روى أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم قال ( إن الربّ سبحانه و تعالى يقول و عزتي و جلالي لا أخرج أحداً من الدنيا أريد أن أغفر له حتى استوفي كل خطيئة في عنقه بسقم في بدنه و اقتار في رزقه)
و قد ورد في الأثر أن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال : أول ما يدعى إلى الجنة يوم القيامة الذين يحمدون الله تعالى في كل حال . و قال عمر بن عبد العزيز : ما بقي لي سرور إلا في مواقع القدر و قيل له ما تشتهي فقال ما يقضي الله .
و قد روى أن امرأةَ فتح الموصلي عثرت فانقطع ظفرها فضحكت فقيل لها: أما تجدين الوجع ؟؟ فقالت إن لذةَ ثوابه أزالت عن قلبي مرارةَ وجعه .
إن الصبر هو الحصن الحصين للمسلم الذي يقع عليه البلاء و وجوده داخل هذا الحصن يحميه من وساوس الشيطان بل و تكون له البشرى من الله في قوله تعالى {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} ، الذين تأدبوا بآداب الصابرين على المصائب التي تأتيهم من عند الله لإبتلائهم و امتحان قلوبهم و إيمانهم ، و اختبار تسليمهم و رضاهم بما يجري به قضاء الله ، فكان قولهم إنا لله و إنا إليه راجعون ، معلنين بهذا أن كل شيء مملوك لله و أنه إلى الله يرجع فلم يخرجوا من دائرة اطمئنانهم الذي أنتج سعادتهم لسيرهم في طريق نيلهم رضوان ربهم و صدق الله العظيم {فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ {34} الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ}الحج 35.
لقد وصف الله عز و جل المخبتين بأنهم { وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ } اشادةً بصبرهم على المصائب و الصعاب و تحمل المشقات في سبيل الله و دعوته، وقد قرنت هذه بأخرى و هي { الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ } و أخرى { وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ } و أخرى { وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ } و كل هذه الأعمال لنيل رضوانه عز و جل .
و حتى يُتصور المعنى فإن أصل الخبت في اللغة أنها الأرض المنخفضة المطمئنة و المخبت لربه هو الخاشع المتواضع و هو اللجوء إلى الأرض المنخفضة المطمئنة على سبيل التواضع و السكينة ، ثم حمل لفظ الإخبات معنى التواضع و الخشوع ، فمن كان مخبتاً لربه يعني متواضعاً خاشعاً مطمئناً كان من صفاته أنه إذا ذكر الله وجل قلبه و إذا ابتلاه بمصيبةٍ صبر على ما ابتلاه الله به ، و من كان مخبتاً لربه كان لابد أن يكون مقيماً للصلاة و مؤدياً للزكاة و قائماً بحق الله في كل ما أمر به الله من أحكام حتى يكون شرع الله هو السائد فيحمل دعوة الله صابراً خاشعاً مطمئناً تدفعه سعادته أنه يسير في طريق رضوان الله و يسأل الله أن يكون من أهل البشرى بالنصر و التمكين .
إن الأنبياء جميعاً صلوات الله عليهم قد حملوا رسالات ربهم و صدعوا بها و صبروا على حملها و ليس هذا وحسب بل صبروا على آدائها و تحمل تبعات هذا الأداء من أقوامهم و هم الأسوة الحسنة للمسلمين في حملهم لدعوةِ الله فلم يكن البلاء مانعاً لهم أو معيقاً ؛ بل كان السعي لنيل رضوان الله هو دافعهم و الصبر عدتهم و سعادتهم في هذه الدنيا أنهم يطيعون الله فيما أمرهم و يفعلون ما يؤمرون ، و قد روى الطبراني و أبو نعيم عن عبد الله بن عباس عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم أنه قال ( يؤتى بالشهيد يوم القيامة فينصب للحساب ، و يؤتى بالمتصدق فينصب للحساب ، ثم يؤتى بأهل البلاء و لا ينصب لهم ميزان و لا ينشر لهم ديوان ، فيصبّ عليهم الأجر صباً ، حتى إن أهل العافية ليتمنون في هذا الموقف أن أجسادهم قرضت بالمقاريض من حسن ثواب الله لهم ) و صدق الله العظيم { إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ } .
و نسوق من روائع أمثلة الصبر صبر أيوب عليه السلام فقد قدم مثالاً يقتدى به من أمثلة الصبر على المكاره و المصائب التي يبتلي الله بها عباده ، فقد امتحنه الله بالغنى و بسط له الرزق الكثير و رزقه أهلاً و بنين ، ثم امتحنه الله بالمصائب فقد ماله و أهله و ولده و نشبت به الأمراض المضنية المضجرة ، فتلقى كل ذلك بالحمد و الثناء على الله و بالتسليم و الرضى ففي حالتي السراء و الضراء كان يدور بين الشكر و بين الصبر .
و حاول الشيطان أن يفسده بوسوسته له و أن يضجره من المصائب التي تكاثرت عليه فلم يظفر بما أراد ، و لما اشتد به الضر و طال عليه الزمن و هجره كل الناس حتى زوجته نادى ربه و ناجاه { أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ }.