الصبر لغة هو المنع و الحبس و الثبات و هو نقيض الجزع و هو حبس النفس عن الجزع و اللسان عن التشكي و الجوارح عن القيام بما لا يليق و منه قول عنترة :
فصبَّرتُ عارفةً لذلك حرةً == ترسوا إذا نفس الجبان تطلّعُ
يعني حبست نفسي و هي تعرف أنها نفس حر يأنف لا نفس عبدٍ لا أنفة له .
و أصل الكلمة من الشدة و القوة و منه الصبر على الدواء المعروف لشدةِ مرارته و كراهته و قال الأصمعي : إذا لقي الرجل الشدة لكمالها قيل لقيها بأصبارها ، و منه الصُبر بضم الصاد و هي الأرض ذات الخصب لشدتها و صلابتها .
و يقول ابن القيم الجوزية : و التحقيق إن في الصبر المعاني الثلاثة :-
المنع و الشدة و الغم ؛ فيقال صبر إذا أتى بالصبر ، و تصبر إذا تكلف الصبر واستدعاه ، و اصطبر إذا اكتسبه و تعلمه ، و صابر إذا وقف خصمه في مقام الصبر ، و صبّرها إذا حملها على الصبر .
و قيل هو مأخوذ من الجمع و الضم ؛ فالصبر يجمع نفسه و يضمها عن الهلع و الجزع .
و الصبر : هو نصب الإنسان للقتل فهو مصبور ، و كل من حبس شيئاً فقد صبره ، و منه الحديث نهى عن المصبورة و نهى عن صبر ذي الروح و هي المحبوسة على الموت ، و في الحديث أن رجلاً أمسك رجلاً و قتله آخر فقال اقتلوا القاتل واصبروا الصابر يعني احبسوا الذي حبسه للموت حتى يموت كفعله به .
و في حديث ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم نهى عن صبر الروح و هو الخِصاء و الخصاء صبر شديد .
كان هذا بيان معناه في اللغة و أما حقيقته فإنه خُلُقٌ فاضل من اخلاق النفس يمتنع به من فعل ما لا يحسن ولا يجمل ، و هو من قوى النفس التي بها صلاح شأنها و قوام أمرها ، و قوى النفس هذه لا علاقة لها بقوة الجسد و متانته و قدرته و بنيته فإن هذه تسمى الجلد بعكس الصبر فإنه ثبات القلب عند موارد الاضطراب .
فحبس النفس عن الجزع قلنا أنه الصبر و إن له متعلقات فإن كان حبس النفس عن شهوة الفرج سميّ عِفّة و ضدها الفجور و الزنا ، و حبسها عن شهوةِ البطن و عدم التسرع إلى الطعام أو تناول ما لا يجمل سميّ شرف نفس و شبعها و ضده شراهةٌ و دناءة نفس .
و إن كان حبسها عما لا يحسن إظهاره من الكلام كتمان سر أو ستر عورة فضدها إشاعة سر و إفشاء فاحشة أو سب أو قذف ، و إن كان حبسها عن فضول العيش يسمى زهداً فضده الحرص ، و إن كان حبسها عن إجابة داعي الغضب يسمى حِلماً فإن ضده هو الغضب و التسرع .
و الصبر هو من الأخلاق المكتسبة و التي يتمرن الإنسان على القيام بها فلا يولد المرء صابراً بل يتكلفه و يستدعيه حتى يصبح سجية من سجاياه ، فقد روى البخاري و مسلم عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم قال ( ومن يَتَصبر يُصَبِره الله ) ؛ فيكتسب خُلق الصبر كما يكتسب الحِلم و الجود و السخاء و الشجاعة و التعفف حتى يصير سجية كما قال حاتم الطائي :
تحلّم عن الأدنين واستبقِ ودهما == ولن تستطيع الحلم حتى تحلّما
قلنا أن الصبر في حقيقته هو ثبات القلب عند موارد الاضطراب و يقابله الجزع و هو حصول اضطراب القلب يشرحه قوله تعالى {سَوَاء عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ }إبراهيم21 ، فحال القلب في الجزع غير حاله عند الصبر و ينعكس هذا وذاك على الجوارح و تصرفاتها ؛ فدافع الدين و العقل الذي اقتنع بما يحمل من فكر و مفاهيم بقيادة الصبر يقف ضد دافع الهوى و الشهوةِ و غلبةِ الطباع من تفلتٍ و غيره و أرض المعركة هو القلب فينهزم بالصبر كل الأهواء و الشهوات و الرغبات و يبقى في دائرة الطاعة بالصبر و المصابرة و التصبر و صدق الله العظيم {وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ }الرعد22 ، وقد أخرج أحمد حديثاً مرفوعاً عن أبي هريرة ( إن المؤمن ينضى شيطانه كما ينضى أحدكم بعيره في السفر ) ؛ يعني يهزل و يضعف لثبات المؤمن و صبره .
و قال ابن المقفع في كتابه اليتيمة : الصبر صبران ؛ فاللئام أصبر أجساماً ، و الكرام أصبر نفوساً . و ليس الصبر الممدوح صاحبه أن يكونَ الرجل قوي الجسد على الكدِّ و العمل لأن هذا من صفات الحمير ، و لكن أن يكون للنفس غَلوباً و للأمور مُحتَمِلاً و لجأشه عند الحفاظ مرتبطاً
و قال علي بن أبي طالب للأشعث بن قيس : إنك إن صبرت جرى عليك القلم و أنت مأجور ، و إن جزعت جرى عليك القلم و أنت مأزور ، و قد أخذ أبو تمام هذا المعنى فقال شعراً :
و قال علي في التعازي لأشعثٍ == و خاف عليه بعض تلك المآثم
أتـصْبر للبلوى عزاءً و خشية == فتؤجر أو تـسلُو سُلُوّ البهائم