إن مطلق حبس النفس و منعها هو صبر ، و ينطبق هذا الأمر على المسلم و غيره حين يحبس نفسه وفق ضوابطه و مفاهيمه التي اعتقدها و سيّر أعماله و علاقاته وفقها ؛ فالاشتراكي الذي عُذِّب و سجن و أُوذي هو في واقعه صابر و كذلك الرأسمالي و المسلم و كل صاحب مبدأ آمن به و حمل أفكاره واعتقدها و أوذي من أجلها فكان الصبر و حبسه لنفسه في جهة أفكاره هو حقه الذي يحاول أن يمتنع به لقناعته هو لِصحة ما يحمل و أن ما يحمله يستحق هذا العناء و هذا الصبر بل و يعتقد ذلك .
إن الصبر – أي صبر – منبثق عن العقيدة و تابع لها ؛ فالعقيدة هي التي تحدد حدوده و ضوابطه و تأمر به و تقيّده حتى تتميز هذه العقيدة عن غيرها بأفكارها و مفاهيمها ، فمفهوم الصبر عند الاشتراكي يختلف عنه عند الرأسمالي أو المسلم كاختلاف مفهوم السعادة أو مفهوم المجتمع أو مفهوم الرزق تِبعاً لاختلاف هذه العقائد ، فكونها عقائد شيء و إمكانية إثبات صحتها شيء آخر ؛ فالعقيدة العقلية التي وضعها العقل و لم يستطيع إثبات صحتها لا ينفي هذا أنه انبثق عنها مفاهيم و منها مفهوم الصبر و أنها لها حضارة .
و أما العقيدة الإسلامية فإنها عقيدةٌ قد بنيت على العقل و أن العقل قد أثبت صحتها و لم يضعها و أنها قد انبثقت عنها مفاهيم و منها مفهوم الصبر الذي نحن بصدده ، و هذا لا ينفي كون العقائد غير الإسلامية أنها موجودة و قد انبثق عنها مفاهيم و لكن ينفي كون هذا المفهوم و أعني به الصبر عندهم أنه هو الصبر المقصود بيانه عند المسلمين .
هذا بالنسبة لأصحاب المبادئ و أما غيرهم ممن لا مبدأ لهم ، و يعتقدون عقيدة لا نظام لها فإن مفاهيمهم قد حددتها دوافع حاجاتهم العضوية و غرائزهم و من ضمنها مفهوم الصبر ، فعند البوذيين أو الوثنيين يوجد صبر و يمارسونه بدافع الغرائز و الحاجات سلباً أو إيجاباً فيحصل في حال و لا يحصل في حالٍ آخر أو يحصل في واقع ولا يحصل في آخر ، فحصوله أو عدم حصوله يخضع لهذه الدوافع و تجدده الأهواء و الرغبات فقد يكون صبر لتحقيق شهوةِ انتقام أو شماتةٍ أو فخر أو مدحٍ أو غيرها من رغبات و شهوات النفس البشرية ولا يخضع هذا المفهوم لفكر ؛ لأنه لم ينبثق عن عقيدة بل اتبع هوىً و إشباع جوعات .