في قول الله عزّ و جل { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }آل عمران 200
هذه آخر آية في سورة آل عمران و هذه السورة جاءت بعد سورة البقرة و السورتان تشتركان في قضية عقدية و هي الإيمان بالله و التصديق بنبوة محمد صلى الله عليه و آله و سلم و بما جاء به من عند الله خاتماً للرسالات و مهيمناً عليها ، فكان التعرض لرواسب دياناتٍ سابقة تحولت عن منهج الله عزّ و جل إلى أهواء البشر ، فجادل في سورة البقرة اليهود و جادل في سورة آل عمران النصارى ، ثم عرض معركة من المعارك التي ابتلى فيها المؤمنون ابتلاءً شديداً ، ثم عرض القضية الإيمانية حيث يثوب المؤمن المتخاذل إلى منهج الله .
ثم يخاطبنا { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ} يعني يا من آمنتم بما تقدم إيماناً بالله و تصديقاً لرسوله و تصديقاً بكتابه و تصديقاً برسالة محمد صلى الله عليه و آله و سلم و تمحيصاً للحق مع أهل الكتاب جميعاً بأن المعركة بين الحق و الباطل قائمة دائمة فاستمعوا و أطيعوا و اسمعوا {اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } .
1) فـ {اصْبِرُواْ} و {صَابِرُواْ} و {رَابِطُواْ} و {اتَّقُواْ اللّهَ}
و هذه أربعة أوامر و الغاية منها { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } ؛ و الفلاح في الدنيا غير الفلاح في الآخرة مع أن فلاح الدنيا مقدمة لفلاح الآخرة ، فأما في الدنيا فالانتصار على الخصم و العيش الآمن المستقر الهنيئ تحت ظل دولة العدل ، و أما فلاح الآخرة فهو النعيم المقيم حيث لا عين رأت و لا أذن سمعت و لا خطر على قلب بشر و خطاب ربنا لنا بـ { اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ} فلا بد أن يكون هذا الصبر و هذه المصابرة إيذاناً بالمشقة ليقيننا بأن الجنة حُفّت بالمكاره ، فالصبر لا يكون واقعه في الرخاء و النعيم و الانفلات و إنما واقعه في الشدة و شظف العيش و تقييد النفس و حبسها .
إن المشقة في إخضاع النفس و تطويعها لأمر ربها صبر يقتضي أن تصبر على الطاعات و على تحمل الألم منه في ترك المعاصي و إن كان هذا يمنعك من لذة الشهوة التي تحبها ، فصبرك على تلك الشهوة التي تلح عليك هو مجاهدة للنفس ، و إن وقع عليك أمر في دائرة القضاء فانك تصبر عليها فأنت محاط بدائرة فتارة ( تصبر في ) و تارة ( تصبر لـ ) و تارة ( تصبر على ) و تارة (تصبر عن ) و صدق الله العظيم { وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ }البقرة177.
إن الكافر لا يمل و لا يتعب و لا يتوانى في الصد عن سبيل الله ليحرف المسلمين عن فهم اسلامهم حتى يغير هذا المجتمع و يصيغه بمفاهيمه ولا يقصرون في إيذاء حملة الدعوة بل و إتعابهم و السخرية منهم و هذا صبر في البأساء و الضراء و حين البأس ، فإذا كان عدونا يحمل الباطل و يصابر عليه و نحن نريد أن ندحض منهجه بما نحمل من حق بل نصبر و نصابر ، و المصابرة تعني الاشتراك فإن كان الخصم يصبر و نحن نصبر و كل منها يريد الغلبة فنقوى عليه بصبرنا و مصابرتنا أولاً في انفسنا و ثانياً تجاهه و صدق الله العظيم {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا} و قوله { فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ } .
2) {ورَابِطُواْ}
سنأتي على تفصيلها فيما بعد إن شاء الله تعالى ...
3) {واتَّقُواْ اللّهَ}
يعني أن نجعل بيننا و بين الله وقاية و هذه الوقاية هي الطاعة أن ننفذ ما أمر و ننتهي عما نهى ؛ فالطاعة هي الوسيلة إلى الوقاية من غضب الله و عذابه و هذه الطاعة تحتاج إلى الصبر و المصابرة .
4) { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }
إن لعل في قول الجوهري هي كلمة شك و أصلها علّ و اللام في أولها زائدة في قول مجنون بني عامر :
يقول أناسٌ علّ مجنون عامر يرومُ سُلوَّاً قلتُ إني لِما بيا
و يُقال لعلي أفعل و علني أفعل و هي كلمة رجاء و طمع و في حديث حاطب ( و ما يدريك لعلّ الله قد اطّلع على أهل بدر فقال لهم اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم )
و يقول ابن الأثير : ظن بعضهم أن لعل من جهة الظن و الحسبان و ليس كذلك و إنما هي بمعنى عسى ، و عسى و لعل من الله تحقيق
و قدر وردت في القرآن الكريم ( لعلكم ) حوالي (68) مرة مطابقة
ففي حق اليهود :
{وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}البقرة53 ،
{ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}البقرة56 ،
{خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}البقرة63 ،
{ كَذَلِكَ يُحْيِي اللّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}البقرة73 ،
{وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ }البقرة150 ،
{وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }البقرة179 ،
{وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }البقرة185 ،
{ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } آل عمران130،
{وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ }آل عمران132،
{ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }المائدة35 ،
{رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }المائدة90 ،
{فَاتَّقُواْ اللّهَ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }المائدة100 ,
{فَاذْكُرُواْ آلاء اللّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }الأعراف69 ,
{فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ }الأنفال45 ،