إن الصبر عند المسلمين هو : حبس النفس في جهة الحق لنيل رضوان الله عزّ و جل ، و هو ثلاثة أقسام :
(1) صبر على القضاء
(2) صبر على الأوامر و الطاعات
(3) صبر عن المناهي و المخالفات
1. إن الصبر على القضاء و هو الذي يقع على الانسان في الدائرة التي لا دخل له بها و يقضيه و يُقَدِره الله على العبد من المصائب فإن حكمه الفرض في وجوب الرضى و التسليم ، فقد روى الطبراني عن أبي هند الداري أن رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم قال في الحديث القدسي ( من لم يرضَ بقضائي و لم يصبر على بلائي فليلتمس رباً سواي ) ، و أخرج عاصم و البخاري في الأدب المفرد و رواه الحاكم و لفظه ( و أسألك الرضا بعد القضاء)؛ و هو اطمئنان قلب العبد حين تنزل به نازلة واستسلامه لله عزّ و جل ، ففي حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم قال ( ألا أعلمك أو أدلك على كلمة من تحت العرش من كنـز الجنة : لا حول ولا قوة إلا بالله ، يقول الله عزّ و جل أسلم عبدي واستسلم ) رواه الحاكم .
إن الإنسان حين يُبتلى بمرض مؤلمٍ فيتألم من المرض بمقتضى حاله فإن هذا لا يدخل في باب عدم الرضى ، و إن بكى لفقد حبيب أو ولدٍ كذلك ، و لكن إن قال ماذا فعلت يا رب حتى تفعل بي كذا و كذا و ما كنت استأهل ذلك فإن هذا هو السخط و عدم الرضى المنهي عنه ، و يدل على تحريم السخط بالقضاء حديث محمود بن لبيد أن رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم قال (إن الله إذا أحبّ قوماً ابتلاهم فمن رضي فله الرضى و من سخط فله السخط ) رواه أحمد و الترمذي .
إن الرضى و السخط هي ردة فعل من الإنسان حيال مايقع عليه فيثاب على الرضى و يُعاقب على السخط ، و أما القضاء نفسه فليس من فعل الانسان و لا يُسأل عنه ولكن يُسأل عن رضاه و سخطه لأنه فعله .
إن المرض و الفقر من صور البلاء الذي يقع على الانسان و أينا أحبّ إلى الله من رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم وقد ابتلاه الله بالمرض ؛ فقد روى البخاري و مسلم عن عبد الله بن مسعود قال : دخلت على النبي صلى الله عليه و آله وسلم و هو يوعك وعكاً شديداً قال فقلت : يا رسول الله إنك لتوعك وعكاً شديداً قال : أجل إني لأوعك كما يوعك رجلان منكم ، قلت إن لك لأجرين قال ( نعم و الذي نفسي بيده ما على الأرض مسلم يصيبه أذىً من مرضٍ فما سواه إلا حط الله عنه به خطاياه كما تحط الشجرة ورقتها ) ، و روى ابن حبان و أبو يعلى من حديث أبي هريرة ( إن الرجل لتكون له المنزلة عند الله لا يبلغها بعمل حتى يُبتلى ببلاء في جسمه فيبلغها بذلك ) .
إن مفاجآت المصيـبة لها روعة تزعزع القلب و تزعجه بصدمتها له فإن كان القلب قد رُوّض واستقر على الرضى صبر للصدمة الأولى فينكسر حدها و تضعف قوتها ، و إن كان القلب غير مُوّطنٍ و لم يستقر على الرضى فإن المصيبة تزعج القلب و تزعزه ؛ ويدل على هذا المعنى ما رواه مسلم و البخاري من حديث أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم أتى على امرأةٍ تبكي على صبيّ لها فقال لها ( اتقي الله واصبري ) فقالت و ما تبالي بمصيبتي ، فلما ذهب قيل لها أنه رسول الله فأخذها مثل الموت فأتت بابه فلم تجد على بابه بوابين فقالت : يا رسول الله لم أعرفك , فقال : ( إنما الصبر عند أول صدمة ) و في رواية ( عند الصدمة الأولى ) .
و هذا ما فهمته أم سلمة رضي الله عنها فقد روى مسلم في صحيحه عنها قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم يقول ( ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله : إنا لله و إنا إله راجعون . اللهم أجرني في مصيـبتي واخلف لي خيراً منها إلا أخلف الله له خيراً منها ) , قالت لما مات أبو سلمة قلت أي المسلمين خير من أبي سلمة أول بيت هاجر إلى رسول الله ثم إني قلتها، فأخلف الله لي رسوله .
وفي جامع الترمذي و أحمد و ابن حبان عن أبي موسى الأشعري قال ، قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم ( إذا مات ولد العبد قال الله لملائكته: قبضتم ولد عبدي ..؟؟ فيقولون نعم ، فيقول : قبضتم ثمرة فؤاده ..؟؟ فيقولون نعم ، فيقول : ماذا قال عبدي ..؟؟ فيقولون حمدك و أسترجعك . فيقول : ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة و سموه بيت الحمد ) .
و قال خلف و كان من الزهاد : قلت لرجل مبتلى يُكنى أبا ميمون عن الصبر فقال : يا أبا اسماعيل إن للصبر شروطاً قلت : و ما هي ..؟؟ قال : إن من شروط الصبر أن تعرف كيف تصبر و لمن تصبر و ما تريد بصبرك و تحتسب في ذلك و تحسن النية فيه لعلك أن يخلص لك صبرك و إلا فإما أنت بمنـزلة البهيمة نزل بها البلاء فاضطربت لذلك ثم هدأ فهدأت ... فلا هي عقلت ما نزل بها فأحتسبت و صبرت و لا هي صبرت و لا هي علمت النعمة حين هدأ ما بها فحمدت الله على ذلك و شكرت .
و من دعاء بعض الصالحين ( اللهم إني أعوذ بك أن أفرّ من بأس الناس إلى بأسك و أعوذ بك أن أجعل فتنة الناس كعذابك ، و أعوذ بك أن يرى الناس فيّ خيراً و لا خير فيّ ، اللهم أرِدْ بي خيراً و افعله بي إنك فعّال لما تريد ) .
و من جميل ما قرأت في قضية الصبر على البلاء ما حكاه اليافعي عن أبي الحسن و السرّاج قال : خرجت حاجاً إلى بيت الله الحرام فبينما أنا أطوف و إذا امرأة قد أضاء حسن وجهها فقلت و الله ما رأيت كاليوم قط نضارة و حسناً مثل هذه المرأة و ما ذلك إلا لقلة الهم و الحزن ، فسمعتْ ذلك القول مني فقالت كيفما قلت هذا يا رجل و الله إني لوثيقة الأحزان مكلومة الفؤاد بالهموم و الأشجان ، فقلت : له وكيف ذلك ..؟؟
قالت ذبح زوجي شاةً ضحّى بها و لي ولدان صغيران يلعبان و على ثديي طفل يرضع فقمت لاصنع طعاماً فقال ابني الكبير لأخيه الصغير ألا أريك كيف ذبح أبي الشاة ..؟؟ قال بلى , فأضجعه و ذبحه و خرج هارباً نحو الجبل فأكله الذئب ... فأطلق أبوه يبحث عنه فأدركه العطش فمات ... فدفعت الطفل و خرجت إلى إلى الباب أنظر ما فعل أبوه فذهب الطفل إلى البرمة وهي على النار فألقى يده فيها و صبها على نفسه و هي تغلي فانتشر لحمه عن عظمه فبلغ ذلك ابنة لي كانت عند زوجها فرمت بنفسها على الأرض فوافقت أجلها ... فافردني الدهر من بينهم ، فقلت لها وكيف صبرك على هذه المصائب ..؟؟ فقالت : ما من أحدٍ ميّز الصبر و الجزع إلا وجد بينهما منهاجاً متفاوتاً ... فأما الصبر بحسن العلانية فمحمود العاقبة و أما الجزع فصاحبه مُعَوّض ، فقلت لها لقد صبرتِ فأجملت و نعم عقبى الصابرين .
بقيت في الموضوع مسألة وهي أن البلاء من مرض و غيره هل يكون الثواب على نفس البلاء أم على صبر المؤمن عليه ..؟؟؟
روى البخاري في الأدب المفرد عن ابي هريرة أن المريض يُكتب له الأجر بمرضه ، فقد قال ما من مرض يصيبني أحبّ إليّ من الحمّى لأنها تدخل كل عضوٍ مني و إن الله يعطي كل عضو قسطه من الأجر و مثل هذا القول لا يقوله أبو هريرة برأيه ، فقد أخرج الطبراني عن أُبي بنت كعب أنه قال يا رسول الله ما جزاء الحمّى ..؟؟ قال ( تجري الحسنات على صاحبها ما احتلج عليه قدم أو ضرب عليه عرق ) ، فمن كانت له ذنوب مثلاً أفاد المرض تمحيصها و من لم تكن له ذنوب كتب له بمقدار ذلك ، و لما كان الأغلب من بني آدم وجود الخطايا فيهم أطلق أن المرض كفارة فقط .
و من أثبت الأجر بالمرض و الابتلاء فهو محمول على تحصيل ثواب يعادل الخطيئة فإذا لم تكن خطيئة توفر لصاحب المرض الثواب و قد استبعد ابن عبد السلام في كتاب (القواعد) حصول الأجر على نفس المصيبة ، و حصر الأجر بسببها بالصبر لما رواه أحمد بسند عن جابر قال ( استأذنت الحمّى على رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم فأمر بها إلى أهل قباء ، فشكوا إليه ذلك ، فقال : ما شئتم إن شئتم دعوت الله لكم فكشفها عنكم و إن شئتم أن تكون لكم طهورا، قالوا فدعها ) ، و وجه الدلالة منه أنه لم يؤاخذهم بشكواهم و وعدهم بأنها طهور لهم ، و يقول ابن حجر العسقلاني في فتح الباري : و الذي يظهر أن المصيبة إذا قارنها الصبر حصل التكفير و رفع الدرجات على ما تقدم تفصيله و إن لم يحصل الصبر نُظر ... إن لم يحصل من الجزع ما يذم من قول أو فعل فالفضل واسع ، و لكن المنزلة منحطة عن منزلة الصابر السابقة ، و إن حصل فيكون ذلك سبباً لنقص الأجر الموعود به أو التكفير .
إن البلاء في مقابلة النعمة ، فمن كانت نعمة الله عليه أكثر كان بلاءه أشد ، و من ثم ضوعف حدّ الحر على العبد فقد قال عزّ و جل في حق أمهات المؤمنين {يَا نِسَاء النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً }الأحزاب30 ، و في هذا يقول ابن الجوزي : إن القوي يحمل ما حمل ، و الضعيف يرقق به .. إلا أنه كلما قويت المعرفة بالمبتلى هانَ عليه البلاء ، و منهم من ينظر إلى أجر البلاء فيهون عليه البلاء ، و أعلى من ذلك درجة من يرى أن هذا تصرف المالك في ملكه فيسلّم و لا يعترض ، و يرضى .
و هذه هي استحضار عظمة الله عزّ و جل في القلب و دوام التضرع له بانكسار وذلة ، فإن المسكنة التي يحبها الله من عبده ليست مسكنة فقر المال ، بل مسكنة القلب ، و هي انكساره و ذله و خشوعه و تواضعه لله عزّ و جل ، و هذه المسكنة لا تنافي الغنى و لا يشترط لها الفقر ، فإن انكسار القلب لله و مسكنته لعظمته أفضل من مسكنة عدم المال ، كما أن صبر الواجب عن معاصي الله طوعاً و اختياراً و خشية من الله و محبة له أعلى من صبر الفقير العاجز ، و قد آتى الله جماعة من أنبيائه و رسله الغنى و الملك و لم يخرجهم ذلك عن مسكنة القلب .