إن خطاب التكليف الذي خاطبنا به ربنا عزّ و جل هو خطاب جزم لا تخيير فيه لأحد سواء في الايمان أم في أعمال الإنسان ، فخطاب التكليف المتعلق بإيمان العباد هو خطاب جزم و خطاب الشارع المتعلق بأفعال العباد هو أيضاً خطاب جزم ، فكلاهما خطاب تكليف في قوله تعالى {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} .
إن خطاب الشارع المتعلق بإيمان العباد إيماناً جازماً لا شك فيه مبنيّ على العقل المدرك بأن لهذا الكون خالقاً أوجده من عدم و أنه عزّ و جل واجب الوجود مدبر الأمر مالك الملك و أن القدر خيره و شره من الله و أن الإيمان بالله يوجب التسليم بقضائه عزّ و جل و أنه إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون .
و أما التكليف من الله عزّ و جل فقد جاء بشكل جازم و المسلم مكلف بشكل جازم و أن يتقيد بأحكام الشرع عند القيام بأي عمل من الأعمال و أن يدرك صلته بالله عزّ و جل ، و أما موضوع التكليف الذي أمرنا الله بفعله طلباً أو تركاً أو تخييراً فهو إما أن يكون فرضاً أو مندوباً أو مباحاً أو مكروهاً أو حراماً فهذا موضوع التكليف , أما نفس التكليف فهو جزم لا تخيير فيه لأحد مطلقاً و التقيد به فرض .
إن الله تبارك و تعالى أمرنا بالصبر فقال : {وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ }البقرة45 ، و قال : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ }البقرة153 ،
و قال : {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى}طه132 ، فالصبر من حيث التكليف هو أمر من الله لا تخيير فيه لأحد و أما من حيث موضوع التكليف فإنه يتبع واحداً من الأفعال الخمسة .
و على هذا الاعتبار فإن الصبر إما أن يكون فرضاً أو مندوباً أو مباحاً أو مكروهاً أو حراماً .
و أما الصبر المفروض فهو الصبر عن المحرمات مثل السرقة و الزنا ثم الصبر على أداء الواجبات من صلاة و زكاة و حج و صوم و جهاد فإنها تحتاج إلى طاعة و صبر وابين لأداء هذه الفروض ، و منه الحديث ( و رجل دعته امرأة ذات منصب و جمال فقال إني أخاف الله ) ، و الصبر في ساحة الجهاد و المدافعة في قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ }الأنفال45 ، {وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ }الأنفال46 ، و الصبر في هذا الموقع فرض فلا يحل عدمه ، فالفرار من المعركة إثم كبير يبوء به من تولى في قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ }الأنفال15، و كذلك حمل الدعوة للعمل لتنصيب خليفة حتى تحكم أرض الله بشرع الله و لنا في رسول الله الأسوة الحسنة في طاعته لربه و صبره على أذى المشركين ، فلم يكن الأذى ما نعاً له عن حمله بل كان صبره يستوعب كل هذا الأذى طاعة لربه ؛ فقد أخرج ابن حبان في صحيحه عن أنس قال : قال رسول الله صلى اله عليه و آله و سلم ( لقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد ، و لقد أخفت بالله و ما يخاف أحد ، و لقد أتت عليّ ثلاث من بين يومٍ و ليلةٍ و ما لي طعام إلا ما واراه ابط بلال )
إن الأمر بالصبر لحامل الحق تعريف بهذا الحق فلا يتأتى لمن يحمل الحق إلا أن يُكيّف نفسه و يصيرها حتى تكون وعاءً للحق الذي يحمله ، فيمكن أن يسجن حامل الحق و يمكن أن يعاقب لأنه حمل الحق بل و يمكن أن يُقتل لأنه حمل الحق و لكن لا يمكن لحامل الحق أن يفر من الحق الذي يحمله أو أن يتنصل منه ، و هنا يمكن تمييز صاحب الحق الذي جعل مهجته وعاءً لهذا الحق طلباً لنيل رضوان الله صبراً واجباً على حمل و أداء الحق .
أخرج الحاكم في المستدرك عن جابر أن النبي صلى الله عليه و آله و سلم مرّ بعمار و أهله و هم يُعذبون فقال : ( أبشروا آل عمار فإن موعدكم الجنة ) ، و روى أحمد عن عثمان بن عفان قال : أقبلت مع رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم آخذاً بيدي نتمشى في البطحاء حتى أتى على أبيه و أمه و عليه يعذبون فقال أبو عمار : يا رسول الله الدهر هكذا ؟؟ فقال له النبي صلى الله عليه و آله و سلم ( اصبر ثم قال : اللهم اغفر لآل ياسر و قد فعلت).
و صدق الله العظيم {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ} و كذلك صبر الخليل عليه السلام و موسى ونوح و صبر المسيح عليهم السلام جميعا صلوات الله و سلامه صبراً على الدعوة إلى الله و مجاهدة أعداء الله و قد سماهم ربنا عزّ و جل أولي العزم من الرسل و أمره أن يصبر لصبرهم فقال {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} و هم في قوله تعالى {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى} و نهاه أن يتشبه بصاحب الحوت حيث لم يصبر صبر أولي العزم فقال {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ }القلم48
و أما الصبر المندوب فهو الصبر عن المكروهات و الصبر على المستحبات وكلاهما صبر مندوب ؛ فالصبر عن .. كالصبر على ... من ناحية حبس النفس و ترفعها عن خوارم المروءة أو فعل ما لا يليق فعله ممن وضع نفسه في موضعٍ يُنظر إليه أو يُحكم على غيره من خلاله كشيخ العشيرة أو حامل الدعوة الذي يفرض عليه هذا الحمل أن يُقَيّد نفسه و يصيغها صياغة تتوافق مع ما يحمل.
و منه الصبر و الاستسلام في أيام الفتنة و عدم الاشتراك فيها و قتال المسلمين فخير له أن يصبر و لا يقتل كما أخرج أحمد و الطبراني في الكبير عن خباب أن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم عن هذه المسألة فقال ( كن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل ) ، و في لفظ (دعه يبوء بإثمه و إثمك ) أخرجه أبو داود و إبن ماجة من حديث أبي ذر بلفظ ( فإن خشيت أن يبهرك شعاع السيف فألقِ طرف ردائك على وجههك فيبوء بإثمه و إثمك )
و أما الصبر المباح فهو الصبر عن كل فعل خُيّر العبد فيه بين فعله و تركه كأن يؤخر ارتداء ثوب معين لوقت معين .
و أما الصبر المكروه فهو أن يصبر عن الطعام و الشراب و اللبس و أن يدفع الحدثين حتى يتضرر بذلك بدنه ، و كل صبر على مكروه مكروه و كذلك صبره عن فعل المندوب .
و أما الصبر المحظور و الحرام فصبر الإنسان على ما يقصد هلاكه من حيوان أو حريق أو ماءٍ أو كافر يريد قتله أو ينتهك عرضه فلا يقعد عما هو مطلوب منه القيام به و يقول إنني صابر ، ولا يأمر بمعروف ولا ينهى عن منكر و يتعلل بضعفه و عجزه و عدم قدرته بل و يستمرئ الظلم حين يقع عليه و يحيا ضمن دائرة الاستكانة بل و يقنع نفسه أنه الضحية .
لقد خاطبنا ربنا عز و جل فقال {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ}
و روى أبو داود و الترمذي عن أبي أمية الشعباني قال أتيت أبا ثعلبة الخشني فقلت كيف تصنع بهذه الآية فقال أية آية ..؟؟ قلت : قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ }المائدة105، قال : أما و الله قد سألت عنها خبيراً سألت عنها رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم فقال ( بل ائتمروا بالمعروف و تناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحاً مطاعاً ة هوىً متبعاً و دنيا مؤثرة واعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصة نفسك ، و دع عنك رأي العامة ، فإن من ورائكم أياماً الصبر فيهن مثل القبض على الجمر للعامل فيهنّ مثل أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عملكم ) و في رواية قيل ( يا رسول الله خمسين منا أو منهم قال بل أجر خمسين منكم ) .
و قيل لعبد الله بن عمر في بعض أوقات الفتن ( لو تركت القول في هذه الأيام فلم تأمر و لم تنه ) ، فقال إن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم قال لنا ( ليـبلغ الشاهد الغائب ) و نحن شهدنا فيلزمنا أن تبلغكم و سيأتي زمان إذا قيل فيه الحق لم يقبل و قال عبد الله بن المبارك في قوله تعالى ( عليكم أنفسكم ) خطاب لجميع المؤمنين أي عليكم أهل دينكم فكأنه قال ليأمر بعضم بعضاُ ولِيَنه بعضكم بعضاً فهو دليل على وجوب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و لا يضركم ضلال المشركين المنافقين من أهل الكتاب .
إن الذي يعلم حكم الله في مسألة معينة و يدرك أن الناس في مسيس الحاجة لعلمه فهو كاتم للعلم و صبره على عدم قول الحق صبر حرام لتعلق حاجة الناس إليه و صدق الله العظيم {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَـئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ }البقرة159، فالتقوقع على النفس واعتزال الناس و عدم الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر حين يعم الجهل و أفكار الجاهلية بل و تصبح هذه الأفكار وجهات نظر لها من يدافع عنها من أبناء المسلمين فالصدع بالحق و بيانه واجب.
إن الفرق شاسع بين طالب العلم و طالب الحق إذ أن طالب العلم يمكن أن يكون علمه أغزر نعم و لكن طالب الحق له غاية محدودة هي احقاق الحق بأن يعم أرض الله شرع الله ، فيلتزم هذه الطريق التي سار عليها رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم حتى يصل إلى غايته طالت هذه الطريق أم قصرت بعد الزمن أم قرب فإن القضية التي يحملها طالب الحق هي قضية حياة أو موت و لا مجال للمساومة عليها أو فيها من أجل دنيا أو منصب فإن الصبر على السير في هذا الطريق الموصل لغاية طالب الحق هو صبر مفروض عليه و حرام عليه التنكب أو ايثار المصلحة الذاتية و صدق الله العظيم {وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ وَلَقدْ جَاءكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ }الأنعام34
إن حامل الدعوة هو طالب الحق يبتغي وجهه الله تعالى و إن عمله يدور ضمن دائرة طاعته لله واستجابة له في قوله عزّ و جل {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ }الأنفال24 ، فصبره على هذه الطاعة و المواظبة على هذا الأمر و اجراء الحياة و الموت عليه يفهمه من رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم حين خاطب عمه فقال له ( والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني و القمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه ) و في رواية ( حتى تنفرد هذه السالفة ) يعني رقبته ، و طالب الحق لا يتعامل مع ما يحمل تعامل الموظف مع وظيفته ، فإن الحق واجب يحمله كل من قال لا إله إلا الله و يصبر على أداء هذا الواجب صبراً يدرك معناه و غايته , و ما له عند ربه من أجر و ثواب و صدق الله العظيم {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ} و طلبه للعلم إنما يكون فيما يلزمه في طريقه للوصول لما يطلب .