يعني كونوا مستعدين لكل أمرٍ طارئ في أي لحظة ، فالرباط هو أن يعلم العدو بأنك مستعد دوماً للقائه في قوله تعالى {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ} فالخيل معلوفة و مربوطة للجهاد و مستعدة ؛ و قد روى مسلم عن أبي هريرة في هذا المعنى أن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم قال ( من خير معاش الناس لهم رجل ممسك عنان فرسه في سبيل الله ، يطير على متنه ، كلما سمع هيعة أو فزعة طار إليها يبتغي القتل أو الموت مظانّه ) - الهيعة صيحة يفزع منها .. و الفزعة : نداء المستغيث - فكأنما فهوم الرباط أنه الاستعداد الدائم قبل وقوع الهجوم أو ساعة تأتي الأمور الداهمة ننطلق إليها .
إن الرهبة تقع في قلب العدو حين يعلم أننا مستعدون دوماً للحركة في أي وقت ، فلا يتأتى للمسلمين أن يكونوا في حالة غفلة و استرخاء ؛ لأن هذه الحالة ممنوع منها المسلمون ، فالرباط أن يعلم العدو أنك لم تغفل و أنك لن تترك العدة و الاستعداد ، و هذا الاستعداد لا يكون بالخيل فقط ؛ فالمرابطة لا تكون بالخيل بل هي بالقوة المادية و الفكرية و كل ما يمكن أن يردَّ عن الحق صيحة الباطل .
قال ابن عطية أن الرباط هو الملازمة في سبيل الله ، و يقول القرطبي حول هذا المعنى (( و الرباط يضاعف أجره إلى يوم القيامة لأن لا معنى للنماء إلا المضاعفة و هي غير موقوفة على سبب فتنقطع لانقطاعه بل هي فضل من الله تعالى إلى يوم القيامة . و هذا لأن أعمال البرّ كلها لا يُتمكن منها إلا بالسلامة من العدو و التحرز منه بحراسة بيضة الدين و اقامة شعار الإسلام ، و هذا العمل الذي يجري عليه ثوابه هو ما كان يعمله من الأعمال الصالحة فقد روى ابن ماجة عن أبي هريرة أنه قال ( من مات مرابطاً في سبيل الله أجري عليه عمله الصالح الذي كان يعمل و أُجري عليه رزقه و أُمن من الفُتان و بعثه الله يوم القيامة آمناً من الفزع )) .
و يقول السيد قطب رحمه الله في هذا المعنى ( و إذا كان الباطل يصبر و يصبر و يمضي في الطريق ، فالمرابطة ... الاقامة في مواقع الجهاد و في الثغور المعرضة لهجوم الأعداء ... وقد كانت الجماعة المسلمة لا تغفل عيونها أبداً ولا تستسلم للرخاء ، فما هادفها أعداؤها قط منذ أن نوديت لحمل أعباء الدعوة و التعرض بها للناس ، و ما يهادنها أعداؤها قط في أي زمان أو في أي مكان و ما تستغني عن المرابطة للجهاد حيثما كانت إلى آخر الزمان .
إن هذه الدعوة تواجه الناس بمنهج حياةٍ واقعي يتحكم في ضمائرهم كما يتحكم في أموالهم كما يتحكم في نظام حياتهم و معايشهم منهج حياة مستقيم، و لكنّ الشر لا يستريح للمنهج العادل المستقيم ، و الباطل لا يحب الخير و العدل ، و الطغيانُ لا يسلّم للعدل و المساواة ، و ينهد لحربها الطغاة المستكبرون الذين لا يريدون أن يتخلوا عن الطغيان و الاستكبار و ينهد لحربها المستهترون المنحلون الذين لا يريدون أن يتخلوا عن الانحلال و الشهوات و لابد من جهادهم جميعاً ، ولابد من الصبر و المصابرة و لابد من المرابطة و الحراسة كي لا تؤخذ الأمة على حين غرةٍ من أعدائها الطبيعيين الدائمين في كل أرضٍ و في كل جيل .
إن القضية ليست كلها غزواً بخيل و سلاح و عتاد بل هو اليوم غزو بفكر يتسرب إلى النفوس من حيث لا تشعر و غزو بثقافة و غزو في مناهجنا التعليمية و مثال ذلك ما ورد في كتال الصف السابع الابتدائي أن سبب الحروب الصليبية مثلاً هو تحرير قبر المسيح من أيدي المسلمين ..!!! فكان لابد لنا أن نكونَ في حالة رباط فكرية و اقتصادية و ثقافية و مادية ، رباط يمد المؤمن بقدر و طاقته للمواجهة بحيث إذا جاءت قضية من قضايا الالحاد وافدة إلى بلاد المسلمين صدها المسلمون و دافعوا عن دينهم و مفاهيمهم ، و هذا ما فهمه عبد الله بن عباس رضي الله عنهما حين قال ( رأيتني و ما أحد أحب للشيطان هلاكاً مني اليوم ، فقيل له كيف ..؟؟ فقال : تحدث البدعة في أقطار الأرض فيحملها الرجل إليّ فأقمعها بالسنة )
إن المرابطة التي خاطبنا ربنا بالالتزام بها في قوله {ورَابِطُواْ} توضح لنا أمراً حتى نكون على بيّنة أمام أي فكرٍ قد يَفدُ إلى بلادنا فنحاربه قبل دخوله ، فالواجب علينا أن نقف في حالة رباط أمام غزو الأفكار فخاطبنا ربنا { اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ} بنفس القوة التي وقف بها المسلمون أمام جيوش الكفر .
إن خطاب ربنا لنا في قوله {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ} و أخبرنا فقال {الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ} ؛ فحال أعداء المسلمين أنهم في كل وقت و حين متربصون ينتظرون الفرصة المواتية للانقضاض على المسلمين و هذا الانقضاض غير متعلق بجيش فقط بل بكل أمرٍ يشمل مناحي الحياة حتى لا يفقد المسلمون أنفسهم و يفرغ اسلامهم من مضمونه و طراز عيشهم .
إن الهجوم على الإسلام لم ينقطع منذ بعثته صلى الله عليه و آله و سلم و إلى اليوم و قد كان في مقابل هذا الهجوم ملازمة المسلمين و رباطهم في كل أمر من أمور الحياة ؛ فالجيش المسلم القوي كان أبرز هذه الأمور ، و لكنه لم يكن الأمر الوحيد الذي حاول الكافر هزيمته.
إن العلاقة بين الرباط و الصبر علاقة لا يمكن أن تنفصل من ناحية أنها حبس للنفس في جهة الحق لنيل رضوان الله تعالى فإنها صبر على الملازمة في سبيل الله في موطنٍ معيّن و في حالة استعداد كامل ، و هذه الملازمة تكون في الثغور و غيرها ؛ فقد روى الحاكم أبو عبد الله في صحيحه ( الا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا و يرفع به الدرجات اسباغ الوضوء على المكاره و كثرة الخطا إلى المساجد و انتظار الصلاةِ بعد الصلاة فذلكم الرباط ) و يجمعها كلها حبس النفس لأمرٍ معيّن في طاعة الله و ملازمته و أن يكون دوماً في حال استعداد .
و قد جاء في فضل الرباط أحاديث كثيرة منها ما روى البخاري عن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم قال ( رباط يوم في سبيل الله خير عند الله من الدنيا و ما فيها ) و في صحيح مسلم عن سلمان قال .. قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم ( رباط يوم و ليلة خيرٌ من صيام شهر و قيامه و إن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله و أجري عليه رزقه و أمن الفتان ) ، و أخرج ابن ماجة باسناد صحيح عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم قال ( من مات مرابطاً في سبيل الله أجري عليه عمله الصالح الذي كان يعمله ، و أجري عليه رزقه و أمن الفتان و بعثه الله يوم القيامة آمناً من الفزع ) .
و هذا الحديث قيد على أن من مات و هو في حالة الرباط و أنه قد حبس نفسه في سبيل الله ، و هذا و الله أعلم أن أعمال البِر كلها لا يمكن فعلها إلا بالسلامة من العدو المتربص و التحرز عنه بحماية بيضة الدين و يشرح هذا الفهم مارواه ابن ماجة عن أبي بن كعب قال ... قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم ( لرباط يوم في سبيل الله من وراء عورةِ المسلمين محتسباً من غير شهر رمضان أعظم أجراً من عبادةِ مئة سنة صيامها و قيامها ، و رباط يوم في سبيل الله من وراء عورةِ المسلمين محتسباً من شهر رمضان أفضل عند الله و أعظم أجراً – أراه قال – من عبادة ألف سنة صيامها و قيامها ، فإن رده الله سالماً إلى أهله لم تكتب عليه سيئة ألف سنة و تكتب له الحسنات و يجري أجر الرباط إلى يوم القيامة ) ، و عن أنس بن مالك قال سمعت رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم يقول ( حَرْس ليلة في سبيل الله أفضل من صيام رجل و قيامه في أهله ألف سنة السنة ثلاثماية يوم و ستون يوماً و اليوم كألف سنة ) .
و في هذا المعنى يقول أبو حفص السهرودي في كتاب عوارف المعارف و أصل الرباط ما نربط به الخيول ، ثم قيل لكل ثغر يدفع أهله عمن و راءهم رباط ، فالمجاهد المرابط يدفع عمن وراءه ، و المقيم في الرباط على طاعة الله يدفع بدعائه البلاء عن العباد و البلاد .
و يقول ابن القيم الجوزية في كتاب الجواب الكافي : ( كيفية هذه الحرب و الجهاد جمعها الله لهم في أربعة كلمات فقال {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }آل عمران200 ، و لا يتم أمر الجهاد إلا بهذه الأمور الأربعة فلا يتم الصبر إلا بمصابرة العدو و هو مقاومته و منازلته فإذا صابر عدوه احتاج إلى أمرٍ آخر و هي المرابطة و هي لزوم ثغر القلب و حراسته لئلا يدخل منه العدو ، و لزوم ثغر العين و الأذن و اللسان و البطن و اليد و الرجل فهذه ثغور يدخل العدو منها فيجوس خلال الديار و يفسد ما قدر عليه ؛ فالمرابطة هي لزوم هذه الثغور ، فلا يخلى مكانها فيصادف العدو و الثغر خالياً فيدخل منها ، فهؤلاء أصحاب رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم خير الخلق بعد النبيين و أعظم حماية و حراسة .. قد خلّوا المكان الذي أمروا بلزومه يوم أُحد فدخل العدو فكان ما كان) .
و يقول رحمه الله في مدارج السالكين ( وقيل في قوله تعالى اصبروا و صابروا و رابطوا و اتقوا الله أنه انتقال من الأدنى إلى الأعلى ؛ فالصبر دون المصابرة ، و المصابرة دون المرابطة ، و المرابطة مفاعلة من الربط و هو الشد ، و سمى المرابط مرابطاً ؛ لأن المرابطين يربطون خيولهم ينتظرون الفزع ، ثم قيل لكل منتظر قد ربط نفسه لطاعة ينتظرها مرابط ) .
و يقول ابن جبرين في شرح أخصر المختصرات : ( الرباط هو ملازمة الثغور التي يأتي منها العدو ، و إذا كان العدو يأتون من هذه الطريق سواءً على أرجلهم أو على جيش أو خيل أو سيارات أو نحوها ؛ فالذين يرابطون في هذا لهم أجر كبير لأنهم يحرسون المسلمين ، ألا يأتيهم أحد من هذا الفج الذين يخافون من أن يأتيهم و هم حين غفلة ، فإذا أحس بالعدو جاء فأنذر المسلمين)
أما في كتاب الموطأ .. فقد روى عن عبد الله بن عمر أنه قال فرض الله الجهاد لسفك دماء المشركين و الرباط لحقن دماء المسلمين ، و حقن دماء المسلمين أحبّ إليّ من سفك دماء المشركين ، قال ابن حبيب إنما ذلك حين دخل في الجهاد و ما دخل , قال القاضي أبو عبيد و وجه ذلك عندي والله أعلم أن يكون الخوف بثغر من الثغور قد اشتد حنى خيف على أهله من عدوهم فاستنفروا لادراك ذلك الثغر ، فإن قُصد ذلك الثغر حينئذٍ يكون أولى ؛ لأن حقن دماء أهله أفضل من سفك دماء المشركين ) .
إن التقدم العلمي و القفزة الصناعية في كل المجالات و خصوصاً في المجال العسكري قد فرضت واقعاً لا يجوز لنا أن نتجاهله ضمن هذا الفهم و هو أن أي بقعة في بلاد المسلمين ليست بمنأى عن أسلحة الأعداء أو كيدهم أو مؤامراتهم فتكون كل بقاع المسلمين في واقعها ثغور يجب علينا المرابطة فيها ، كما أن الخطر الداهم ليس عسكرياً فحسب بل هو في كل المجالات الثقافية و منها الاجتماعية و السياسية و الفكرية و الاقتصادية .
إن الهجوم الذي يُشن على المسلمين من خلال جبهات متعددة و هذا التداعي الأمميّ على أمة الإسلام لابد أن يقابل من المسلمين بالتصدي له ، كلّ في مجاله كما أخبر رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم ( أنت على ثغرةٍ من ثغر المسلمين فلا يؤتين بها من قبلك ) ؛ فالأمة كلها بحدودها و ثغورها و مفاهيمها و أفكارها مستهدفة من قبل الأعداء و لابد من الوقوف في حالة استنفار و استعداد دائم لدفع و لصد هذا العدوان و هذا الاستهداف فلا يمكن الفصل بين ثغور الأمة و صدرها أو قلبها ؛ فالعراق و الصومال و أفغانستان و فلسطين و الخليج كلها ديار يراق فيها دم المسلمين ولابد لها من حراسة و رباط.
إن النظرة الشمولية لمفهوم الرباط تظهر أن كل حام أو مدافع أو حارس لمبدأ الإسلام هو في حالة رباط بغض النظر عن الموقع المتواجد فيه لكون الأمة بمجموعها مستهدفة و قد حرص الرسول صلى الله عليه و آله و سلم على أن لا يلوث هذا الدين بغيره ؛ فقد روى المحدثون في ذلك أحاديث غاية في العمق منها ما رواه الامام أحمد عن الشعبي عن جابر أن عمر بن الخطاب أنى النبي صلى الله عليه و آله و سلم بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب فقرأه على النبي فغضب وقال ( المتهوكون فيها يا ابن الخطاب ؟؟؟ والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبونه أو بباطل فتصدقونه و الذي نفسي بيده لو أن موسى كان حياً ما وسعه إلا أن يتبعني )
فالاختراق الفكري للأمة لا يقل شأناً عن اختراقها العسكري في قدرته على التأثير فيها بغية حرفها عن صفائها و نقائها و هذا ما حدث فعلاً مع الأسف حصل الخلط بين ترجمة العلوم و ترجمة العقائد اليونانية و الفارسية و غيرها و ما يحدث اليوم من ترجمة الثقافات الالحادية و الوجودية و فصل الدين عن الحياة فكان كل من يقف في وجهه الأعداء لمنع أي اختراق لهذه الأمة هو في حالة رباط إن كانت الدولة الاسلامية موجودة و هو في حال غيابها أعظم مسؤولية و أعظم أجراً إن شاء الله .
روى في كنـز العمال أن رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم قال ( الجهاد أربع الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و الصدق في مواطن الصبر و شنآن الفاسق ) .
إن تنبيه الغافلين و احياء موات الأمة و بعث روح الإسلام فيها حتى تكون على بصيرةٍ مما يدور حولها أو يخطط لها هو كمن يخبر الأمة بقدوم عدو يريد اجتياحها فكلاهما متلبس بحراسة الأمة من كيد أعدائها ، فكان الصراع الفكري و الكفاح السياسي بتبني قضايا الأمة و كشف خطط المتربصين بها و إزالة العوالق و المفاهيم الخاطئة هو رباط بإذن الله و كل متلبس بهذا الفعل غير غافل و لا خامل مرابط بإذن الله .