الدعوة و فيها معانٍ :
1. في قول الحق {وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ} ؛ يعني ادعوا من استدعيتم طاعته و رجوتم معونته في الإتيان بسورة فهو هنا الاستغاثة .
2. و يكون الدعاء هو العبادة {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} ، {أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ}
ففي حديث عرفة ( أكثر دعائي و دعاء الأنبياء قبلي بعرفات لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك و له الحمد و هو على كل شيء قدير) ؛ و إنما سمي التهليل و التحميد دعاء لأنه بمنزلته في استحباب ثواب الله و جزاءه في قوله المصطفى ( إذا شغل عبدي ثناؤه عليّ عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين .
3. في قول الحق {فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا إِلاَّ أَن قَالُواْ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ}الأعراف5 ؛ و هنا معناه الإدعاء يعني ما كان إدعاؤهم إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين .
و دعوة الحق إنها شهادة أن لا إله إلا الله و قيل من دعا إلى الله مخلصاً له لا يشرك به شيئاً ، و في كتاب المصطفى صلى الله عليه و آله و سلم إلى هرقل : أدعوك بداعية الاسلام أي بدعوته و هي كلمة الشهادة التي يدعى إليها أهل الملل الأخرى و في رواية بداعية السلام.
4. و دعى رجل دعواً و دعاءً : ناداه و الاسم الدعوة و دعوت فلاناً أي صحت به و استدعيته في شعر عنترة
يدعون عنـتر و الرماح كأنها == اشطان بئرٍ في لبان الأدهم
و تداعى القوم : نادى يعضهم بعضاً
و في الحديث ( ما بال دعوى الجاهلية وهو قولهم يالفلان و يالفلان ) و منه حديث زيد ابن أرقم ( قتال قوم ياللأنصار و قال قوم ياللمهاجرين فقال صلى الله عليه و سلم ( دعوها فإنها منتنة ) ) ؛ يعني اتركوها و دعاه إلى الأمير يعني ساقه و قوله تعالى {وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً}الأحزاب46 ؛ يعني يدعوا إلى توصية الله و ما يقرب منه .
و الدعاة : قوم يدعون إلى بيعة هدىً أو ضلالة و أحدهم داعٍ و رجل داعية : إذا كان يدعو الناس إلى أمرٍ أو دين و الهاء أدخلت للمبالغة .
و الرسول صلى الله عليه و آله و سلم داعي إلى دين الله و كذلك المؤذن هو داعٍ يدعو الناس إلى الصلاة في قول الحق سبحانه و تعالى {يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ} ، و في الحديث أنه سوف يكون ( دعاة على أبواب جهنم من استجاب لهم قذفوه فيها ) .
كانت المقدمة اللغوية هنا ضرورية حتى يترسخ هذا المعنى و لا تتداخل المعاني المتقاربة بعضها ببعض ؛ فالمعنى المقصود هنا و الذي نحن بصدده هو الذي يدعوا إلى أمرٍ معيّن أو دين هو داعٍ لهذا الأمر و من هنا المدخل .
فالذي يدعوا إلى أمرٍ معين هو داعٍ لهذا الأمر ... و الأمر الذي يدعو له الداعية يحاول بكل ما يقدر عليه أن يوصله إلى غيره كي يحملوه فهو يحاول ترويج هذا الأمر .
فكانت الدعايةُ : هي عملية ترويج إما لفكر أو بضاعة و الوسيلة في كلا الحالتين هي الإعلام .
و قد كان الشاعر في الجاهلية يحاول ترويج فكرةٍ معينةٍ عن قبيلة بالفخر بها كما قال الشاعر :
إذا بلغ الفطام لنا رضيعاً == تخرّ له الجبابر ساجدينا
أو عن قبيلة أخرى بهجائها أو عن شخص يرثيه أو يمدحه أو يهجيه بأساليب مختلفة تبعاً لقوةِ هذا الشاعر ؛ فمثلا يحاول شاعر أن يري قوته بعد طرح قوة غيره و رغم هذا فقد انتصر عليه فيقول :
و علمت أيني يومذاك == منـازل كعبـاً و نهـدا
قوم إذا لبسـوا الحديد == تنمروا حلقـاً و قـدا
نازلت كبشهم و لم أرَ == من نزال الكبــش بدا
و رواة الشعر هم الذين كانوا يقومون بتناقله بين القبائل في الحضر و في البدو وهم كانوا يقومون بدور الإعلام .
فوسيلة الإعلام كانت في السابق الرواةُ الذين يُعلمونَ من لا يعلم الأخبار و أيام العرب و شعرهم و فخرهم و حوادث أيامهم .
و كما كان الحال عند العرب قبل الإسلام كان الحال كذلك عند غير العرب ممن سبقوهم أو عاصروهم كالفرس و الروم .
فوسيلة الإعلام : هي الكيفية التي يتم بها إيصال الأخبار و الأنباء و الحوادث فكما كان الرواة في القديم هم وسائل إعلام ثم الكتاب ثم الإذاعة فالتلفاز فالانترنت – شبكة المعلومات - و هكذا .
كما هي وسيلة النقل فهي الكيفية التي يتم النقل بها ؛ فقد كانت في السابق الدابّة ثم العربة ثم السفينة فالسيارة فالطائرة .
إن هناك فرق واسع شاسع بين الخبر و وسيلة نقله ؛ فوسيلة النقل ليس لها علاقة بالخبر من ناحية حدوثه و إنما تدخل العلاقة بين الخير و وسيلة نقله من ناحيةِ الناقل و هذا الناقل يحاول أن ينقل الخبر ممزوجاً بوجهةِ نظره و كيفية تعامله معه و هذه الكيفية تحددها المصلحة.
و المثال على ذلك أن الخبر قد انتشر بأنه قد ظهر في مكة نبيّ و الذي يروي أو ينقل هذا الخبر ينقله و يحاول أن يمزجه بوجهة نظره هو كأبي لهب مثلاً كيف ينقل هذا الخبر و أبي بكر و هذا ما حصل فعلاً عند ما هاجر المسلمون الهجرة الأولى إلى الحبشة ثم جاء عمرو بن العاص و جعفر و تكلما أمام النجاشي عن الإسلام و ما يقوله عن مريم .
إن الله سبحانه و تعالى منذ أن أرسل الرسل إلى أهل الأرض على مرّ الأيام قد جاءوا جميعهم صلوات الله عليهم بأمرٍ واحدٍ و هو الدعوةُ إلى الله و إفراده بالعبوديةِ من عرفنا منهم و من لم نعرف {وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيماً }النساء164 ، و الرسولُ في اللغة هو الذي يُتابع أخبار الذي بعثه أخذاً بقولهم جاءت الإبل رَسْلاً أي متابعة و أرسلت فلاناً في رسالةٍ فهو مرسل و رسول في قول الحق {فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ }الشعراء16 ؛ أي ذوا رسالة رب العالمين و منه قول كثيّر عزة :
لقد كذب الواشون ما بحتُ عندهم == بســـرّ ولا أرسلتهم برسول
فالرسول لغة هو الذي يحمل الرسالةَ و أنه مخبر بخبر و النبيّ هو أرفع خلق الله و أشرفهم لأنه يُهتدى به .
إن الرسول صاحب دعوةٍ يدعوا بها غيره ليقنعه بها كي يحملها هذُ الغير و الدعوةُ لابد أن تكون لها طريقة معينة من صاحب الدعوة عزّ و جل فقال {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ } ، و أخبر عن نوح و كيف دعا قومه فقال عزّ و جل {قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً{5} فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَاراً{6} وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً{7} .
فمخاطبة العقل وإقناعه بالدليل على صحة الدعوة هو الأمر الذي قام به كل الرسل و الأنبياء و لم يخالفوا هذا المنهج مطلقاً ؛ فالدعوة إلى التدبر و التفكير للوصول إلى القناعة اللازمة للإيمان هو ما قام به الرسل و من سلكوا طريقهم و قد صاحب هذا الخطاب من الرسل لأقوامهم الآياتُ و الدلالات على صدق المخبر و الخبر و قدرة المُخبر عنه ؛ فناقة صالح آية تدل على صدق صالح و صدق دعوته و أن لهذا الخلق خالق قادر على كل شيء .
قلنا أن الدعاية هي عملية ترويج إما لفكر أو لبضاعة – سلعة – أما ترويج الأفكار فلا يمكن أن يخاطب الغرائز و إنما يخاطب العقول لإقناعها و رسولنا صلى الله عليه و آله و سلم عندما خاطب قريش و أخبرهم بدعوته حاربوا الفكر الجديد الذي يهدد مصالحهم و مكاسبهم فإن قالوا شاعر كذّاب و قالوا إنما يعلمه بشر و قالوا إن هذا إلا سحر يؤثر و كل أقوالهم هذه كانت في مقام الردّ أو ما يُسمى اليوم بالدعايةِ المضادة و كانت إدعاءاتهم أنه لم يستجب له سوى الضعاف و الإماء و العبيد و أن كل من يؤمن بمحمدٍ سوف يحصل له كذا و كذا .
إن عمل قريش هذا حين بثت هذه الدعاية من أن محمداً ساحر و كاهن يدور أيضاً في دائرة ترويج أفكارها من أجل تحقيق هدفها و هو صرف الناس عن الحق .
و دعوة النبي صلى الله عليه و آله و سلم الناس إلى التدبر و التفكر في حالهم و إلى الشمس و القمر و السحاب و الليل و النهار هو خطاب لأولي الألباب كي يهتدوا إلى الحق هو أيضاً ترويج و دعوة للرسالةِ التي يحملها و الفرق بين دعوةِ الحق و أهله و دعوةِ الباطل و أهله .
أما بالنسبة لترويج السلع فإنه خطاب للحاجات العضوية و للغرائز ؛ فصورة المرأة الجميلة مثلاً و هي تحمل سلعةً ما أو تقف بجانب سيارة هو عملية ترويج لهذه السلعة و الخطاب الظاهر هذا هو خطاب موجه للغريزة .