العدوان البري على غزة يُسرّع في البحث عن تسويات
بعد أن شرعت قوات العدو اليهودي منذ ليلة الأحد الماضي بهجوم بري واسع على قطاع غزة لتكمل به عدوانها الجوي والبحري المتواصل منذ عشرة أيام، بدأت الحركة الدبلوماسية تنشط، وصار الحديث عن تسويات أكثر قابلية من ذي قبل، فأردوغان قال بأنه سيحمل وجهة نظر حماس إلى مجلس الأمن، والمسؤلون المصريون قالوا بأن حماس بدأت تتعقل، وأرسلوا دعوة لوفد من حماس لزيارة القاهرة، والأوروبيون تراجعوا عن تصريحات رئاسة الاتحاد الأوروبي المؤيدة للكيان اليهودي بشدة، وفتحوا قنوات اتصال غير مباشرة مع حماس، وجهزّت بريطانيا ورقة عمل قدّمتها لمجلس الأمن الدولي ليتدارسها، وأما الإدارة الأمريكية فأوعزت إلى صحفها الكبرى الواشنطن بوست النيويورك تايمز للتحدث عن ضرورة الاعتراف بثقل حماس على الأرض، بينما أمير قطر عراب الدبلوماسية العربية الجديد راح يدافع عن حماس ويتبنى موقفها في المحافل الدولية، وبذلك تكون عملية البحث عن تسويات قد خرجت من عنق الزجاجة، وانطلقت إلى ساحة المناقشات و المساومات.
لقد سرّع الهجوم البري ضد غزة الحركة الدبلوماسية وأدخل الصراع في المنطقة مرحلة جديدة، ففي الوقت الذي تتقابل فيها قوات العدو مع المقاتلين الفلسطينيين على الأرض وجهاً لوجه لأول مرة منذ بدء العدوان، ويتوعد فيه المقاتلون الفلسطينيون بأن تكون أرض غزة مقبرة للغزاة اليهود، ويتوعد قادة يهود بإنهاء الأوضاع عسكرياًُ، يتقابل السياسيون من وراء الكواليس للبحث عن مخرج للأزمة.
ولكن قبل الدخول في أية مفاوضات جدية من المرجح أن تزداد المواجهات سخونة على الأرض وتصبح الأعنف من نوعها، حيث أن الاستعدادات من قبل العدو ومن قبل المقاومة لهذه المعركة الحاسمة قد بلغت أوجها. ولعل شدة المقاومة التي تواجهها قوات العدو اليهودي المتغطرسة ستجبر الدبلوماسية اليهودية على تخفيض سقف مطالبها وعلى اختصار أهدافها ومحاولتها للتهرب من المواجهات من أجل الحصول على أفضل قرارات دولية يمكن الحصول عليها بما يتوافق مع مصالحها.
فدولة العدو بهجومها البري هذا تريد إثبات وجودها على أراضي قطاع غزة بهدف خلق واقع جديد قبل إعلان أية هدنة، وهي من المؤكد أنّها لو استمرت في الهجوم فلن تفلح في تحقيق أية إنجازات عسكرية تتعلق بالقضاء على منظومة الصواريخ الفلسطينية، ولن تنجح أيضاً في القضاء على البنى العسكرية للمقاومة، لذلك كان غزوها البري لغزة مبعثاً لها للتسريع في الدخول في مساومات سياسية تفضي إلى التوصل لاتفاق ما على غرار ما جرى في حرب لبنان مع حزب الله في صيف عام بحيث 2006 تضمن معه توقف إطلاق الصواريخ نهائياً.
معبر رفح من وجهة نظر قانونية
تغلق سلطات النظام المصري المتواطئ مع دولة يهود معبر رفح تحت ذرائع وأسباب واهية، ولا تفتحه إلا تحت ضغوط شديدة، وغالباً ما تقوم بأعمال عرقلة متعمدة لإدخال المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة، ومن تلك الأعمال على سبيل المثال لا الحصر قيامها بأعمال تفتيش يدوية وبطيئة للشاحنات والسائقين الفلسطينيين، ومنها إلغاء إدخال المساعدات غير الدوائية بحجة عدم وجود مسؤولين يتبعون للسلطة الفلسطينية في رام الله، أو بحجة عدم وجود شاحنات فلسطينية، أو بحجة القصف اليهودي على الجانب الفلسطيني للمعبر، أو بحجج كاذبة أخرى كضيق المعبر وعدم تخصيصه للمواد التموينية، وتفعل كل ذلك لتبرير إدخال المساعدات من معابر تقع تحت السيطرة اليهودية وليس عبر معبر رفح.
و الحقيقة أن ولاء النظام السياسي المصري لأمريكا وخنوعها لدولة يهود هو الدافع الوحيد لتلك المماحكات المصرية حول فتح المعبر، وقد أكد على هذه الحقيقة كثير من المراقبين المتخصصين، ومنهم أستاذ العلوم السياسية في قطر سيف عبد الفتاح الذي قال “من المنظور السياسي والإسلامي يتعين على السلطات المصرية أن تفتح معبر رفح أمام المساعدات الإنسانية للفلسطينيين في قطاع غزة”. وهذا يعني أن المسألة مسألة سياسية، وأنها تتعلق بخيانة النظام المصري وتآمره مع دولة العدو اليهود، تلك الخيانة التي لا تقتصر على إغلاق معبر رفح وحسب، وإنما التخطيط المسبق معه على عملية إحكام حصار قطاع غزة لإجباره على الاستسلام والخنوع.
لكن وجود إرادة الصمود والقتال عند أهل غزة سيبطل هذه المؤامرة التي يشارك فيها النظام المصري مع دولة يهود.
وأما من ناحية قانونية بحتة فقال المستشار أحمد مكي نائب رئيس محكمة النقض المصرية ومقرر مؤتمر القضاة بشأن الأوضاع في فلسطين إن: “ما يقوله الرئيس مبارك كلام سياسي وليس كلاماً قانونياً تفرضه ضرورات سياسية تتمثل في عجز مصر عن اتخاذ موقف حازم في مواجهة إسرائيل لظروف سياسية واقتصادية وعسكرية ودولية وضغوط معينة"، وأضاف: “أما قانونياً فالرأي الذي أقوله ليس كلامي وحدي، فهو رأي قضاة مصر عبرّوا عنه كثيراً، وأنا أعتقد أيضاً أنه كلام الرئيس، بدليل أنني قاضٍ عامل في محكمة النقض، وأتحدث من مصر، ورددت هذا الكلام في الصحف المصرية وفي التلفزيون ولا ألقى تعقيباً، وأعتقد أن الرئيس مبارك في داخله يؤمن بما أقوله أنا لكن هي اعتبارات، هي ضغوط"، وأكد مكي أن “من واجب مصر فتح معبر رفح باعتبار أن الجانب المصري من المعبر يخضع للسيادة المصرية، ومصر ليست مقيدة أصلاً باتفاقية المعابر بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية”.
وأما الدكتور عبد الله الأشعل مساعد وزير الخارجية المصري السابق و أستاذ القانون الدولي فقال:” إن القاهرة تنتهك اتفاقيات جنيف بإغلاقها معبر رفح الحدودي مع غزة” واعتبر أن” إغلاقه يعكس موقفاً سياسياً لا قانونياً"، وأضاف الأشعل” إن مصر انتهكت الاتفاقية ثلاث مرات، الأولى بامتناعها عن فك الحصار عن الفلسطينيين لتكون قد ساعدت طرفاً دولياً هو إسرائيل على تهديد حياة مدنيين أبرياء، بما يتناقض مع بنود الاتفاقية التي تلزمها بالتصدي لأي طرف دولي ينتهكها، وأما الانتهاك الثاني فيتمثل في تقاعس مصر عن نجدة طرف دولي وقع عليه الانتهاك، وأخيراً بالتنصل من مسؤولياتها إزاء إقليم حبيس لا يملك منفذاً غير الأراضي المصرية”.
وهكذا فمن وجهة نظر قانونية فإن الموقف المصري في إقفال معبر رفح لا يتماشى مع كل القوانين والأعراف الدولية، وأما من ناحية سياسية فواضح أن انحياز النظام المصري لدولة يهود ضد سكان قطاع غزة هو الذي العامل المعتبر الذي يحكم آليات فتح معبر رفح.